عبد العزيز عتيق
10
علم البديع
الحق ، وأقامت منار الدين ، وأزالت شبه الكفر ببراهينها ، وهتكت حجب الشك بيقينها . وقد علمنا أن الإنسان إذا أغفل علم البلاغة ، وأخل بمعرفة الفصاحة لم يقع علمه بإعجاز القرآن من جهة ما خصه اللّه به من حسن التأليف ، وبراعة التركيب ، وما شحنه به من الإيجاز البديع ، والاختصار اللطيف ، وضمنه من حلاوة ، وجلله من رونق الطلاوة ، مع سهولة كلمه وجزالتها ، وعذوبتها وسلاستها ، إلى غير ذلك من محاسنه التي عجز الخلق عنها ، وتحيرت عقولهم فيها . وإنما يعرف إعجازه من جهة عجز العرب عنه ، وقصورهم عن بلوغ غايته في حسنه وبراعته ، وسلاسته ونصاعته ، وكمال معانيه ، وصفاء ألفاظه . . . . . ولهذا العلم بعد ذلك فضائل مشهورة ، ومناقب معروفة ، منها أن صاحب العربية إذا أخل بطلبه ، وفرط في التماسه ، ففاتته فضيلته ، وعلقت به رذيلة فوقه ، عفّى على جميع محاسنه ، . . . . . لأنه إذا لم يفرق بين كلام جيد وآخر رديء ، ولفظ حسن وآخر قبيح ، وشعر نادر وآخر بارد ، بان جهله ، وظهر نقصه . وهو أيضا إذا أراد أن يصنع قصيدة ، أو ينشئ رسالة - وقد فاته هذا العلم - مزج الصفو بالكدر ، وخلط الغرر بالعرر « 1 » ، واستعمل الوحشي العكر ، فجعل نفسه مهزأة للجاهل وعبرة للعاقل . وإذا أراد أيضا تصنيف كلام منثور ، أو تأليف شعر منظوم ، وتخطي هذا العلم ساء اختياره له ، وقبحت آثاره فيه ، فأخذ الرديء المرذول ،
--> ( 1 ) الغرر : جمع غرة ، وهي النفيس من كل شيء . والعرر : جمع عرة ، وهي القذر .